القصة الرابعة والسبعون: نفرتيتي من مصر

توقف القطار بالمحطة،  يعجز السائق عن فتح الباب الكترونياً … اثناء محاولته لتنبيه الركاب بالابتعاد عن الابواب  يحدث على الرصيف المزدحم هرج ومرج … صراخ …. ثم هرولة الى اعلى … والركاب العاجزون عن الخروج من العربات في حالة قلق …

افتحوا الابواب يدوياً …. افتحوا الابواب يدوياً …. صوت ياتي عبر الاذاعة الداخلية للمترو. صوت من الخارج يصرخ بنا  افتحوا الابواب واجروا بسرعة. خرج الركاب يركضون بسرعة يحملون صغارهم، يشدون نساءهم خلفهم. الصغار تبكي والكبار يصرخون والكل يركض في اتجاه واحد. مع اول مجموعة من الشباب ركضت الى الخارج، الى ممر الخروج الطويل المظلم … اشعلوا مصابيح هواتفهم النقالة، تكدس بالممر، يعقبه صراخ الفتيات والنساء، وعودة بعضهن من بداية الممر باكيات، متساءلات “لماذا يحدث لنا هذا”؟ فقد كان الممرالمظلم مكان مناسب لاقامة حفل للتحرش الجماعي بنساء وفتيات خائفات!

اصدقائي هذا ليس مشهد من فيلم اكشن، بل هذا ما حدث بمحظة مترو الانفاق (العتبة) عندما تعطل المترو بها في عيد الاضحى الماضي. ولأنني ممن تتوقف كل وظائفهم الحركية في مثل هذه الاحداث كنت اشاهد واسمع كل هذا دون ان اتحرك من مكاني. حتى قام احد أصحاب المحلات بالمحظة بارشادي الى طريق خروج مختلف واقصر وآمن …والى الان لا ادري ماذا حدث بالمترو ولماذا وما هذه الوجوه والسلوكيات الغريبة التي رأيتها بالامس …

منذ اكثر من خمسة وعشرين عام – اي منذ استطعت الخروج بمفردي دون صحبة ابي وامي وانا ابدأً لا أخرج في الاعياد  لانني ارى في الطرقات والحدائق العامة والشوارع التجارية وجوه غريبة وسلوكيات اكثر غرابة … وتتسرب الى اذني كلمات وضيعة والفاظ سيئة للغاية … هل هذه افرازات العشوائيات التي خلقها نظام فاسد قضى على كل آمل في الاصلاح ؟ لا ادري  ولكنني عندما اضطررت للخروج ثاني ايام العيد للقاء صديقتي بمكان ثقافي جميل “ساقية الصاوي”، رأيت نفس الوجوه العشوائية في ملامحها وسلوكياتها وحتى في لغة الحوار المستخدمة بينهم ان كان ما يتقاذفونه بينهم من سباب وقبح يسمى حوار … سواء كن شباب او فتيات … انه الدود الذي ينخر ويأكل في بلادي …لن اخرج مرة اخرى في الاعياد. بس يا ترى حال مصر سيظل هكذا طويلاً … لك الله يا مصر

اخاف من شوارع القاهرة ليلاً ولا اشعر فيها بالامان … لان الارض تنبت ليلاً وجوهاً غير مألوفة يرسم الظلام . ملامح شريرة لهم  وتنبت انياب في افواهم  فيبدون كمصاصين الدماء … لذا فاذا ما دقت الساعة التاسعة مساءً وانا لازلت لم اصل الى البيت، اصاب بالتوتر والقلق وافقد القدرة على تمييز معالم الطريق والاتجاهات حتى انني قد اتوه وابكي مثل الصغار احياناً اذا ابتعدت كثيراً … وتأتي كل الافكار السيئة الى رأسي وأتنبأ بان كل الكوارث الارضية يمكن ان تحدث لي .

اليوم كان احد هذه الايام. فأخذت اقلب في ارقام هاتفي بحثاً عمن يمكن ان استغيث به اذا حدث لي مكروه ما وتعرضت لاحد تلك الكوارث التي اتوقعها … مسجل على هاتفي (354) رقم. بعد ان استبعدت ارقام الشركات والخدمات ورؤسائي في العمل والنساء والاطفال وكبار السن وافراد اسرتي خوفاً على امي ان يقتلها اي حدث … وبعد ان استبعدت من يمنعهم السفر او بعد المسافة من اغاثتي … وبعد ان استبعدت الزملاء والاصدقاء من الرجال المتزوجون خوفاً من ان تقتلهم زوجاتهم … لم اجد احد ما بيني وبينه من علاقة انسانية يسمح لي ان استنجد به اذا وقعت في مشكلة ما…
لذا قررت ان استغيث بالنهار وضوء الشمس دوماً فمعهما لن احتاج لأحد …

تعليقات (1)

اكتب تعليق


الصعود لأعلى