القصة الثالثة والستون: إسراء من العراق

أريد أن أبدأ بقليل من التاريخ

أنا البنت الصغرى  لعائلة عراقية متوسطة ومثقفة، ولدت في أواسط السبعينيات، والدي متقاعد بمرتبة مدير عام وهو خريج جامعة بغداد عام 1956  أما والدتي فربة بيت. عندي ثلاث من الأخوات، واحدة أستاذة جامعية والأخرى مهندسة والثالثة مدرّسة، أما أخي الوحيد فهو مهندس أجهزة طبية وهو خريج المملكة المتحدة نحن نتحدر من عائلة هاشمية معروفة ليس  في العراق وحسب بل في كل بلدان الخليج وحتى بلاد الشام. كان بيتنا كبير وفي مكان جميل ببغداد، وعندنا سيارة عائلية كبيرة، كنا سعداء نمتلك كل ما نحتاج.

في حرب الخليج عام 1991 انتقلت عائلتي للعيش في الأردن وحينها كانت أختي الكبرى  تعيش في بريطانيا حيث تزوجت هناك من طبيب. كنت حينها أبلغ من العمر 17 عامًا، وقد أكملت الثانوية. تحولت الأقدار بنا حيث انحط مستوى الدينار العراقي حينها واستئجرنا بيتًا صغيرًا، وبمساعدة أخي وأختي تم فرش البيت بالأثاث، وعملت لأول مرة في حياتي في محل لبيع الملابس بعمّان حيث تعرضت للتحرش لأول مرة في حياتي!

وكما نقول الله ستر وعدّت على خير، واستمريت في محاولاتي الفاشلة لإيجاد عمل شريف، كانوا كلهم واحدًا تلو الآخر كبيرهم وصغيرهم، عجوزهم وشابهم يحاولون التحرّش بي، كنت أعدّ لحمًا رخيصًا، سلعة أتت عليها الحرب فصارت بالتنزيلات.

هكذا نحن العرب، أي امرأة ليست من قبيلتنا هــــي ســبــيــّة

وعلى الرغم من كل شيء درست دبلوم لغة إنجليزية على حساب زوج اختي وتخرجت بتفوق، كنت أعمل بعد الدراسة في العطلة الصيفية. ذات يوم وبعد تخرجي عملت في شركة أجنبية كبرى ولأول مرة في حياتي احتُرمت كإنسانة وكان مدير عملي فرنسي الجنسية، شخص كبير ومحترم، ساعدني وبعثني لدورات لغة وسكرتاريا وكمبيوتر بلا مقابل، كان راتبي مرتفعًا وكنت على قدر المسؤولية أدير مكتبه في الشركة التي تزيد عمالتها عن الألف، بهاتف و كمبيوتر.

البنت العراقية الحلوة والذكية بنت ال 23 ربيع.

تفاجأت يوم بوزارة العمل تأتي للمكتب باسمي وببلاغ عنّي بعملي بدون تصريح حيث قضيت ليلة في الزنزانة! لا أريد أن أطيل عليكم، تركت العمل وعادت الكرّة من جديد وظائف وتحرّشات ولا عودة للعراق ولا سفر للخارج. صار عمري 25، ولا أمل ولا عمل.

هوَ كان ابن قريب جيراننا، الشاب الفقير أبو العيون الخضرا والوجه الأحمر الذي كان كل يوم يلاحقني ويبعث بالأخبار لخطبتي. كنت أرفض لأني أعرف أن الأردنين لا يحترمون العراقيين وهو يريدني لأني رخيصة الثمن، فرصة للزواج، فأنا  لاجئة مثل بنات سوريا اليوم في ملاجئ الأردن. غريبة هي الأقدار كيف تدور كنواعير السواقي تفرغ لتمتلئ بماء جديد وتعود الكرة. اسمحوا لي بالقول كسبايا كربلاء في بلاد الشام نحن، عراقيات، سوريات، والله أعلم من هن القادمات!

ضاقت الأيام، وازدادت التحرّشات والتوقيفات بحجة التحقيق والتجاوزات في الإقامة وغيرها. أخواتي الأكبر مني تزوجن في أوروبا بزواجات مرتّبة، بنت فلان لابن فلان، وبقيت أنا مع أبي وأمي ولم يكن نصيبي كأخواتي، وحينما حملت أختي الوسطى تم إصدار فيزا لوالدتي ووالدي وبقيت أنا، الحمل الثقيل، ما دق بابي رجل جيّد بالحلال إلا ذلك الشاب أبو العيون الخضراء! أما العراقيون  في الغربة فلم يكونوا بأحسن من الأردنين، كانو يريدون العلاقات والغرام والحرام.

أصبحت الحياة لا تطاق وصرت حِملًا على والديّ، قلت لهم سأتزوج بقريب جراننا (أبو الوجه الأحمر) لأنه ومنذ سنوات يريدني، وأبي وكعادة العرب الكرماء قال لزوجي “لا نريد شيئًا منك لا ذهب ولا مال، نريد رجلًا يصون ابنتنا” حتى أنه استأجر لي ثوب الزفاف ودفع لمكياجي وشعري. تزوجت، صار هو كل طموحاتي، وصار هو وطني الجديد وأحلامي بالاستقرار، أحببته من كل قلبي وما زلت لم تقبل شفتاي غيره وما لمست أحدّا غيره في حياتي.

وفي العرس الذي كلّف زوجي الكثير، عشاء وقاعة لأهله وأقربائه، لم  يبارك لي أحدٌ من أهله. أما صباحيّتي فكانت في شقتي الزوجية الغرفة والصالة، كان البيت وسخًا ولم يوجد لنا حتى فطور نأكله ولا قرش في جيب العريس، هكذا كان ثمن عذريّتي التي حفظتها خمسة وعشرين عامًا!

حملت بابنته الكبرى بعد ثلاثة أشهر وعندما ذهبت لألدها عُدت وجدت أن حماتي دخلت شقتي لتأخذ الثلاجة والغاز والغسالة، وعرفت بعدها أنها أخذت الأغراض بدلاً من المبلغ الذي أخذه زوجي ليسدد تكاليف ولادتي! وتذكّرت باني ما أنا إلا ســــــــــــــــبـــــــــــــــــــيـــــــــــــــــــــــــــــــة

عدت للعمل وقد بدأ سيناريو آخر من التعب فمرتبي كلّه للبيت ومرتبه كله لوالدته وأخوه الفاشل ودين العرس الذي ذهب لحفلة وعشاء لأهله، علمًا بأن حماتي متقاعدة وبيتها ملك. حماتي كانت تُهينني كلّما التقينا  بعروبتي وبعراقيتي وبنسبي حتى أمام الناس. ما زارني أحد وما عزمني أحد وما ذكرني شخص، عشت وحيدة لمدة سنتين وازدادت غربتي بالأردن فحماتي وابنتها وابنها لا يريدوني، أنا الغريبة القذرة بالنسبة لهم (هم ليسوا من أصل عربي).

لم يكن مسموحًا لي باستخدام الحمام في بيت حماتي، وكان لي صحن خاص وكاسة ككلب البيت كنت أعامل. كان زوجي يجبرني على زيارتهم ووصلت بهم الأعمال أن يسرقو ملابس ابنتي/حفيدتهم من على سلك الغسيل فقط لكون االملابس هدية من أمي القاطنة في أوروبا. كانت أم زوجي تسرق الملابس التي تبعثها أخواتي لي لتهديها لأخواتها وبناتهم، وعندما أرى ملابسي على الناس أحترق. كرهتني وكرهت ابنتي وكرهت أكثر الطفل الذي لم يولد بعد في بطني، وقادت الجيوش والحروب لتمنع الكل عني،  بل حتى أنها هددتني بالرمي على الحدود العراقية وأخذ بناتي مني. حماتي امرأة ظالمة وحاقدة، تكره الكل حتى ابنها (زوجي).

أما هو ففقير، مريض نفسيًا وممحو الشخصية، عاش مع أم ساديّة استبدت به واستباحته بكل شيء فما بالك بزوجته. يتركني بالأشهر ولا يسأل عني ولا يصلني إذا زعل، بارد كقالب ثلج بلا مشاعر. فقير بكل شيء، بمشاعره، بمواقفه، برجولته، وحتى بعلاقته الزوجية معي. يضربني ، يسرق مرتبي ويصلّي خمس مرات باليوم!

أنا الشمس وهو ظلي، أنا النار وهو رمادي، أنا ندمانة، ضربني وأنا حامل.  أما أخوه، سرق كارت البنك وسحب كل ما عندي! وفي قمة يأسي لملمت أغراضي وسافرت إلى أوروبا حيث اشترت لي أختي الوسطى  تذاكر سفري مع ابنتي، وولدت ابني الثاني هنا، وحصلت على حق الإقامة من ولادة الطفل. صار عندي بيت ومرتب، وأكملت الجامعة ودرست القانون واليوم أنا متدربة في مكتب حكومي هنا، حصلت على الجنسية قبل سنة.

مرت عشر سنوات منذ آخر مرة تركت فيها الأردن، سأعود للزيارة لا للحنين بل لأتذكر سجني الكبير، سجن السبايا وأقدر حريتي أكثر.

نعم نجحت أخيرًا ولكني خسرت أجمل سنوات عمري، قمة الشباب ضاعت مع أناس ليسوا أهلا ليكونوا أهلًا، بس معلش لعيون أولادي

الشرف ليس بعذريّة تُحفظ نصف قرن لتباع ببلاش، الشرف في كرامة المرأة باهل وعشيرة ووطن يحتويها ويحتوي أطفالها، يعطيها الجنسية ومبلغ من المال، يدرّسها حتى الجامعة ويداري أحوالها لأنها إنسان مثلها مثل الرجل. الوطن وطن الأولاد والحنية والحب اللي ما لقيتهم  في أي مكان إلا في ديار الغربة ومن “الكفرة” كما تسميهم حماتي!

هنا وطني وهنا شرفي وشرف بناتي ليس عندكم، والحرة تموت ولا تكون سبيّة

أنا مع ثورة السبايا، أنا مع الحريَة، أنا مع انتفاضة المرأة في العالم العربي فشرف المرأة ليس بين ساقيها، شرفي هو بصون كرامتي

301121_464975156866646_791562459_n

تعليقات (1)

  • Lana from jordan

    شكرا لكي على مشاركة قصتك و لقد تفاعلت كثيرا مع القصة خاصة و انني قد مررت بظروف مماثلة في الاردن و انا اردنية و بالفعل حال الدول العربية يبعث عن التشائم من شرف مزيف و كرامة مزيفة بينما حال الدول الغربية يبعث على التفائل و الامل و لولا الدول الغربية لاصابنا اليأس
    اتمنى ان ينصلح حالي و حالكي و ان يبعد الله عنا شر العرب

    Reply

اكتب تعليق


الصعود لأعلى